تتصدر قضايا النصب المالي وتوظيف الأموال، أو ما يُعرف إعلامياً بظاهرة “المستريح” المشهد القضائي والاقتصادي في مصر بين الحين والآخر. ورغم العقوبات الجنائية الرادعة إلا أن تكرار هذه الحوادث بضحايا من مختلف الفئات الثقافية والمهنية يطرح سؤالاً جوهرياً حول كفاية البيئة التشريعية الحالية إن المشكلة في جوهرها ليست أمنية فحسب بل هي نتاج “فجوة تشريعية” حالت دون وجود أوعية استثمارية مرنة وآمنة تستوعب مدخرات الأفراد وتوجهها نحو المشروعات الناجحة.
– القيود التشريعية الراهنة وتأثيرها على حركة الاستثمار
نري كخبراء قانون وكذا يري رواد الأعمال أن المنظومة التشريعية الحالية تتبنى “فلسفة الحظر” كأداة أساسية لحماية الأموال وهو ما أدى إلى تضييق المسارات الشرعية أمام صغار وكبار المستثمرين على حد سواء. وتتمثل أبرز المعوقات القانونية في القوانين التالية
قانون حظر تلقي الأموال (القانون رقم 146 لسنة 1988)
يعتبر هذا القانون حجر الزاوية في تقييد جمع الأموال لغرض الاستثمار؛ حيث حظر على غير شركات المساهمة المقيدة في سجلات الهيئة العامة للرقابة المالية تلقي أموال من الجمهور. هذا الحظر المطلق رغم وجاهته التاريخية أصبح يمثل عائقاً أمام الشركات القائمة التي تود التوسع عبر نموذج “التمويل الجماعي” من المواطنين مباشرة.
قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي (رقم 194 لسنة 2020)
يضع القانون ضوابط صارمة تمنع أي كيان غير مرخص من ممارسة “أعمال البنوك” وهو ما يجعل أي فكرة لتداول الأموال أو استثمارها جماعياً خارج الأطر المصرفية التقليدية تقع تحت طائلة المساءلة القانونية مما يقتل فرص الابتكار في أدوات التمويل البديل.
قانون سوق رأس المال وقواعد الرقابة المالية
تفرض قوانين سوق المال شروطاً رأسمالية وإجرائية معقدة للاكتتاب العام، لا تستطيع الشركات الناشئة أو المتوسطة الوفاء بها، مما يجعل المواطن العادي محصوراً بين عوائد الادخار البنكي التقليدي أو المخاطرة بأمواله لدى أفراد غير مرخصين (المستريحين) يقدمون وعوداً بعوائد خيالية تحت غطاء العقود الصورية.
ظاهرة المستريح: نتيجة لغياب المسار القانوني المرن
إن إقبال كافة فئات المجتمع بمن فيهم النخب المهنية، على وضع أموالهم لدى أفراد غير خاضعين للرقابة، هو “عرَض” لمرض يتمثل في غياب “الاستثمار الشعبي المنظم”. فحينما يمنع التشريع الأفراد من المساهمة في مشروعات حقيقية ومنتجة بآليات ميسرة، يظهر “المحتال” ليشغل هذا الفراغ المالي، مستغلاً غياب الوعي القانوني أحياناً، وصعوبة الوصول للقنوات الاستثمارية الرسمية أحياناً أخرى.
توصيات لإصلاح المنظومة التشريعية من منظور قانوني – تنموي
لمواجهة ظاهرة توظيف الأموال بشكل جذري، يجب على المشرع المصري الانتقال من “الحظر المطلق” إلى “التنظيم المرن” عبر المسارات التالية
(Crowdfunding) أولاً: تقنين التمويل الجماعي
ضرورة استحداث قانون مستقل أو إضافة فصل في قانون سوق المال ينظم “الاستثمار الجماعي للأفراد” في الشركات القائمة والناجحة، بحيث يُسمح للأفراد بالاستثمار بمبالغ صغيرة مقابل حصص أو عوائد، على أن يتم ذلك عبر منصات رقمية مرخصة ومراقبة تقنياً من الهيئة العامة للرقابة المالية
ثانياً: الاستثناء المنضبط من قانون حظر تلقي الأموال
نقترح تعديل نص القانون 146 لسنة 1988 للسماح للشركات ذات السجل الائتماني والضريبي المستقر بجمع تمويلات توسعية من الجمهور بضوابط محددة، مع اشتراط وجود “أمين استثمار” (Trustee) أو حسابات وسيطة (Escrow Accounts) تضمن عدم تلاعب أصحاب المشروع بالأموال.
– ثانياً : تفعيل التكنولوجيا المالية في الرقابة
بدلاً من اشتراط التراخيص الورقية الطويلة، يمكن للمشرع الاعتماد على “الرقابة اللحظية” من خلال الربط الإلكتروني بين المنصات الاستثمارية والبنك المركزي، مما يضمن تتبع تدفقات الأموال ومنع غسل الأموال، وفي الوقت ذاته يسهل على المواطنين الاستثمار بأمان وبضمانة الدولة
رابعاً: مراجعة القيود على المشروعات المتوسطة والناشئة
تخفيف شروط الإدراج في البورصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وخلق “سوق موازية” تتناسب مع إمكانيات صغار المستثمرين، مما يوجه السيولة النقدية من “تحت البلاطة” إلى شرايين الاقتصاد الحقيقي
واخيرا
إن حماية الاقتصاد الوطني وأموال المواطنين لن تتحقق فقط بتشديد العقوبات الجنائية، بل بخلق بيئة تشريعية مواكبة للعصر. إن “الاستثمار الجماعي” هو الحل الأمثل لتحويل المدخرات
المعطلة إلى طاقة إنتاجية، وهو الضمانة الوحيدة لتجفيف منابع النصب المالي وقطع الطريق على كل “مستريح” جديد.
د . مصطفى الروبي محامون . مستشارون
